فخر الدين الرازي

39

تفسير الرازي

أما قوله * ( كيف ننشرها ) * فالمراد يحييها ، يقال : أنشر الله الميت ونشره ، قال تعالى : * ( ثم إذا شاء أنشره ) * وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله تعالى : * ( قال من يحيي العظام وهي رميم ، قل يحييها ) * ( يس : 78 ، 79 ) وقرئ * ( ننشرها ) * بفتح النون وضم الشين ، قال الفرّاء : كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف ، فهو كأنه مطوي ما دام ميتاً ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، وقرأ حمزة والكسائي * ( ننشزها ) * بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز الشيء رفعه ، يقال أنشزته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من الأرض نشز ، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج ، ومعنى الآية على هذه القراءة : كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد ونركب بعضها على البعض ، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ * ( ننشزها ) * بفتح النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال : نشزته وأنشزته أي رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك . ثم قال تعالى : * ( فلما تبين له ) * وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله * ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) * والمعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه وقال صاحب " الكشاف " : فاعل * ( تبين له ) * مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال : * ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) * فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال : * ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) * وتأويله : أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي * ( قال أعلم ) * على لفظ الأمر وفيه وجهان أحدهما : أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى : ودع أمامة إن الركب قد رحلوا ( c ) والثاني : أن الله تعالى قال : * ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) * ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش : قيل أعلم أن الله على كل شيء قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم * ( ربي أرني كيف تحيي الموتى ) * ( البقرة : 260 ) ثم قال في آخرها * ( واعلم أن الله عزيز حكيم ) * ( البقرة : 260 ) قال القاضي : والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله * ( فلما تبين له ) * فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز ، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزاً .